الشنقيطي

182

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثنا عبد الرحمن بن إسحاق ، أخبرني الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أمر عتاب بن أسيد أن يخرص العنب كما يخرص النّخل ، ثمّ تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا » قال : فتلك سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في النخل والعنب « 1 » - ا ه . منه بلفظه ، وفيه التصريح بأن إخراج التمر والزبيب : هو سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمخرج الرطب والعنب مخالف لسنته صلى اللّه عليه وسلم كما ترى . الدليل الثاني : إجماع المسلمين على أن زكاة الثمار والحبوب من نوع ما تجب الزكاة في عينه ، والعين الواجبة فيها الزكاة هي : التمر والزبيب اليابسان . لا الرطب والعنب بدليل إجماع القائلين بالنصاب في الثمار . على أن خمسة الأوسق التي هي النصاب لا تعتبر من الرطب ، ولا من العنب ، فمن كان عنده خمسة أوسق من الرطب أو العنب ، ولكنها إذا جفت نقصت عن خمسة أوسق فلا زكاة عليه . لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين ، فلو أخرج الزكاة من الرطب أو العنب لكان مخرجا من غير ما تجب في عينه الزكاة كما ترى ، ويدل له ما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ ، فإنه قال فيه في شرح قول مالك . ثمّ يؤدون الزكاة على ما خرص عليهم ما نصه ، ومبنى التخريص أن يحزر ما في النخل أو العنب من التمر اليابس إذا جذ على حسب جنسه ، وما علم من حاله أنه يصير إليه عند الإتمار . لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرا . انتهى محل الفرض منه بلفظه . وقد تقرر عند جماهير العلماء أن لفظة إنما للحصر وهو الحق . فقول الزرقاني لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرا معناه حصر أخذ زكاة النخل في خصوص التمر دون غيره من رطب ونحوه ، معللا بذلك اعتبار النصاب من التمر اليابس . لأن الإخراج مما تجب في عينه الزكاة من الثمار والحبوب وهو واضح ، ولا يرد على ما ذكرناه أن وقت وجوب الزكاة : هو وقت طيب الثمر قبل أن يكون يابسا ، لإجماع العلماء على أنه لا يجب إخراجها بالفعل إلا بعد أن يصير تمرا يابسا ولإجماعهم أيضا على أنه إن أصابته جائحة اعتبرت ، فتسقط زكاة ما أجيح ، كما تسقط زكاة الكل إن لم يبق منه نصاب . وسيأتي له زيادة إيضاح . الدليل الثالث : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأخذها تمرا بعد الجذاذ لا بلحا ولا رطبا ، واللّه جل وعلا يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] الآية ، ويقول : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ الحشر : 7 ] الآية ، ويقول : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] الآية ، ويقول : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . قال البخاري في صحيحه : « باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي

--> ( 1 ) السنن الكبرى ، كتاب الزكاة 4 / 122 .